أحمد بن علي القلقشندي

74

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

ورضي فيه بحلو الحق ومرّه . والعدل فلينشر لواءه حتّى يأوي إليه الخائف ، وينكفّ بردعه حيف كلّ حائف ، ويتساوى في ظلَّه الغنيّ والفقير ، والمأمور والأمير ؛ ويمسي الظَّلم في أيّامك وقد خمدت ناره ، وعفت آثاره . وأهمّ ما احتفلت به العزائم ، واشتملت عليه همم الملوك العظائم ، وأشرعت له الأسنّة وأرهفت من أجله الصوارم ؛ أمر الجهاد الذي جعله اللَّه تعالى حصنا للإسلام وجنّة ، واشترى فيه أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنّة ؛ فجنّد له الجنود واجمع له الكتائب ، واقض في مواقفه على الأعداء من بأسك بالقواضي ( 1 ) القواضب ؛ واغزهم في عقر الدار ، وأرهف سيفك البتّار : لتأخذ منهم للمسلمين بالثّار . والثّغور والحصون ، فهي سرّ الملك المصون ، وهي معاقل النفوس إذا دارت رحى الحرب الزّبون ( 2 ) ؛ فليقلَّد أمرها لكفاتها ، ويخصّ حمايتها بحماتها ، ويضاعف لمن بها أسباب قوّتها ومادّة أقواتها . وأمراء الإسلام وجنود الإيمان فهم أولياء نصرك ، وحفظة شامك ومصرك ؛ وحزبك الغالب ، وفريقك الذين تفرق منهم قلوب العدا في المشارق والمغارب ؛ فليكن المقام العالي السلطانيّ - أعزه اللَّه تعالى - لأحوالهم متفقّدا ، وببسط وجهه لهم متودّدا ، حتّى تتأكد لمقامه العالي طاعتهم ، وتتجدّد لسلطانه العزيز ضراعتهم . وأما غير ذلك من المصالح ، فما برح تدبيره الجميل لها ينفّذ ورأيه الأصيل بها يشير ، فلا يحتاج مع علمه بغوامضها إلى إيضاحها * ( ولا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ) * ( 3 ) . واللَّه تعالى يخصّ دولته من العدل والإحسان بأوفر نصيب ، ويمنح سلطانه ما يرجوه من النصر المعجّل والفتح القريب ؛ إن شاء اللَّه تعالى .

--> ( 1 ) جمع قاضي ، وهو القاطع للأمور المحكم لها . ( 2 ) يقال : الحرب تزبن الناس أي تصدمهم فهي زبون . ( 3 ) فاطر / 14 .